أبو الليث السمرقندي

431

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ، يعني : يشهدون عليه بما يعرفون منه ، ويقال : يشهدون عقوبته . قال : فجاؤوا به إلى ملكهم النمرود بن كنعان ، قالُوا ، أي قال له الملك : أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ، يعني : عظيمهم عندكم . وإنما قال هذا على وجه الاستهزاء ، لا على وجه الجد . فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ، يعني : إن كانوا يتكلمون ، فسألوهم من فعل هذا بكم . فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ ، فلاموها يعني : إلى أصحابهم . فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ، يعني : حيث قلتم إن إبراهيم كسّرها . ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ ، يعني : رجعوا إلى قولهم الأول ، وقال القتبي : أي ردوا إلى ما كانوا يعرفون من أنها لا تنطق ، فقالوا : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ يا إبراهيم ، يعني : تعلم أنهم لا يتكلمون . قالَ لهم إبراهيم عليه السلام : أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً ؟ إن عبدتموهم ، وَلا يَضُرُّكُمْ إن تركتموهم . أُفٍّ لَكُمْ ، يعني : قذرا لكم وسحقا لكم ، وتعسا لكم ؛ والاختلاف في قوله : أُفٍّ لَكُمْ مثل ما سبق . وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يعني : أفّ لكم ولما تعبدون من دون اللّه . أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ أن من ليس له ذهن ولا قوة ولا منفعة ولا مضرة أن لا تعبدوه . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 68 إلى 71 ] قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) ثم قال عز وجل : قالُوا يعني : قال ملكهم : حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ، يعني : انتقموا لآلهتكم ، إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ به شيئا فافعلوا . فأمر النمرود أهل القرى حتى جمعوا له الحطب أياما كثيرة ، وأمر بأن يبنى بنيانا ، فبنى حائط مستدير وجمعوا له الحطب ما شاء اللّه ، ثم أضرموا فيه النار ، فارتفعت النار حتى بلغت السماء في أعين الناظرين ، وكانت الطير يمر بها فيصيبها حر النار ، فلا تستطيع أن تجوز فيه فتقع ميتة . فلما أرادوا أن يلقوه فيها لم يستطيعوا لشدة حرها ، ولم يقدر أحد أن يدنو منها ، فبطل تدبيرهم وكادوا أن يتركوه . حتى جاء إبليس عدو اللّه لعنه اللّه ، فدلهم على المنجنيق ، وهو أول منجنيق صنعت . وجاءوا بإبراهيم ، فأوثقوا يديه وجعلوه في المنجنيق . وروي في الخبر : أن السماوات والأرض والجبال بكوا عليه ، وبكت